خضير جعفر

136

الشيخ الطوسي مفسرا

وقد يعمد المفسّر أحيانا إلى تسليط الأضواء على جوانب من المفردة القرآنيّة ، ويشبعها بحثا بعد أن يجمع الأشتات ، فيكوّن منها صورا مختلفة ، قد تتباين أحيانا لتؤدّي أكثر من معنى من خلال استعمالات متعدّدة ، تقتضيها طبيعة السياق والصياغة القرآنيّة ، كما في قوله تعالى : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ « 1 » . إذ نجد الشيخ الطوسي يفترض إشكالا على النصّ بغية استجلاء الحقيقة وإبرازها فيقول : فإن قيل : كيف يجمع بين قوله : وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ « 2 » وقوله : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ؟ ثم يجيب الطوسي على هذا الإشكال الذي افترضه بقوله : قلنا فيه قولان : أحدهما : إنّه نفى أن يسألهم سؤال استرشاد واستعلام ، وإنّما يسألهم سؤال توبيخ وتبكيت . الثاني : تتقطّع المسألة عند حصولهم على العقوبة ، كما قال : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ وقال في موضع آخر : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ « 3 » والوجه ما قلناه : إنّه يسألهم سؤال توبيخ قبل دخولهم في النار ، فإذا دخلوها انقطع سؤالهم « 4 » . ثم يأتي الشيخ الطوسي بالعديد من الآيات القرآنيّة الكريمة التي تعرّضت لموضوع السؤال فيصنّفها تصنيفا رائعا ويضع كلّا منها في مكانه الطبيعي الذي تتجلّى من خلاله روعة النصّ القرآني وأسلوب التعبير الفنّي الذي جاءت به الآيات البيّنات فيقول : وقوله : وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ « 5 » المراد به لا يسألون سؤال استعلام واستخبار ليعلم ذلك من قولهم ؛ لأنّه تعالى عالم بأعمالهم قبل خلقهم ، وأمّا قوله : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ وقوله : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ « 6 » . فهو

--> ( 1 ) . الأعراف ( 7 ) الآية 6 . ( 2 ) القصص ( 28 ) الآية 78 . ( 3 ) . الصافات ( 37 ) الآية 24 . ( 4 ) . انظر التبيان ، ج 4 ، ص 249 . ( 5 ) . القصص ( 28 ) الآية 78 . ( 6 ) . الحجر ( 15 ) الآية 92 .